لم يكن مطراً عادياً، بل كان خلاصاً.
كان الظهيرة قد بلغ ذروة قسوته، فشمس كانت تذوب كقطعة نحاس محميّة فوق رؤوسنا، والهواء كان كثيفاً كزيت حار راكد. حتى صراصير الظهيرة توقفت عن صريرها، مختبئة في ظلال الأحجار. في ذلك السكون الثقيل، جاءت أولى الإشارات: نسمة جافة ساخنة دارت فجأة كحيوان مذعور، حملت رائحة الغبار المبلول قبل أن تبلله قطرة واحدة. ثم ارتفعت سحابة داكنة من خلف التلال، كأن الأرض تقلب صفحة بيضاء حارقة إلى أخرى رمادية رطبة.
وانفجر المطر.
لم يتساقط، بل انهمر دفعة واحدة كأن السماء قد انشق قاعها. كانت قطراته كبيرة، ثقيلة، كخرز من زجاج بارد يطرق سطح الأرض المحروق فتصدر منه صفيراً بخارياً. صوت المطر على أسطح الصفيح كان كطبول عظيمة تهزم صمت العالم. غيّمت الستارة المائية كل شيء، حوّلت البعيد إلى رسم بقلم رصاص على ورقة مبلولة.
وبينما أنا واقف خلف النافذة، رأيته يُعيد رسم المدينة. غسل وجه الأسطح المتعب، كسا الشوارع بطبقة لامعة تعكس أضواء النوافذ. حوّل الرصيف الرمادي إلى مرآة سوداء تعكس أضواء السيارات المارة كشهب مبلولة. وشاهدت الأطفال يجرون في البرك الضحلة، أصوات ضحكاتهم تخترق دوي المطر كالبلور.
ولم يدم طويلاً. كما بدأ فجأة، توقفت الطبول تدريجياً. خفت الهمرة إلى همس، ثم إلى تنقيط متباعد من المزاريب. انكشفت الشمس فجأة، لكنها لم تعد تلك القاسية، بل أصبحت دافئة، ذهبية، تلمع على كل قطرة معلقة على أوراق الشجر. وراحت تنسج قوساً ملوناً فوق البيوت، وعداً ملوّناً بالسلام.
تنفست. كان الهواء لم يعد حارقاً بل منعشاً، يحمل عبير التراب النظيف وأوراق الشجر المغسولة. حتى صوت عودة العصافير كان مختلفاً: صافياً، مبللاً بالفرح. وعرفت أن مطر الصيف ليس مجرد ماء ينزل من السماء؛ بل هو لحظة يمسح فيها الكون صفحة الحر القاسية، ويكتب عليها سطراً واحداً منعشاً بالحياة قبل أن تعاوده الشمس.